عبد اللطيف البغدادي
204
التحقيق في الإمامة وشؤونها
الخطاب في هاتين الآيتين الكريمتين من الله عَزّ وجَلّ إلى النبي ( ص ) يخبره - مؤكداً له - ان الكتاب الذي أوحاه الله إليه - وهو القرآن - هو الحق الذي لا يشوبه باطل مطلقاً ، ويوضّح ذلك قوله تعالى في سورة فصّلت : ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( [ فصّلت / 42 - 43 ] . فهذا الكتاب الذي هو الحق جاء ( مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ( أي مصدقاً للكتب الإلهية التي أنزلها الله قبله من صحف وتوراة وإنجيل وزبور ، وان الله بعباده لخبير بصير ، أي لا يخفى عليه شيء من أعمالهم لخبرته بهم ، وإبصاره لأعمالهم عند صدورها منهم . ثم يقول الخبير البصير سبحانه في الآية الثانية : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا ( أي هذا الكتاب هو الحق أورثناه الذين اصطفينا من عبادنا ، أي تركناه فيهم يقومون بأمره بعد النبي ( ص ) من بعد ما كان هو ( ص ) القائم بأمره ، المتصرف فيه ، والداعي إليه ، والإرث كما يكون للمال المادّي كذلك يكون للعلم والجاه وسائر الأمور المادية والمعنوية ، وعلى هذا يكون إيراث هذا الكتاب - في خصوص هذهِ الآية الكريمة - إيراثاً عاماً لكل ما في هذا الكتاب من أنواع العلوم والمعارف للذين اصطفاهم الله من عباده بعد رسوله ( ص ) لا مجرد الكتاب المجموع ما بين الدفتين بل هو ، وما يحتوي عليه الكتاب من علوم ومعارف مطلقاً . والاصطفاء معناه أخذ صفوة الشيء ، ويقرب معنى الاصطفاء من معنى الاختيار ، ولكنّ الفرق بينهما ان الاختيار أخذ الشيء من بين